بن عيسى باطاهر

190

المقابلة في القرآن الكريم

ينزل بوحي اللّه للرسول ليعلمه ويبلغه إلى النّاس حقائق مضيئة هادية تكسب المؤمنين علما ويقينا لم يبذل عقل الرسول ولا عقول المؤمنين جهدا في معاناة الوصول إليه » « 1 » . فمن هذه المفاهيم الثلاثة « للعلم » في المنهج القرآني يستنتج أنّ مدلول « العلم » في القرآن ليس قاصرا على العلم الديني - كما يظن بعض النّاس - بل إنّه يتسع فيشتمل على كل المعارف الدينية والدنيوية ، يدلّ على ذلك أنّ القرآن قد جعل « العلم » باللّه ، وصفاته وأفعاله أعلى المعارف ، وأرقى ما يصل إليه الإنسان عن طريقين : عن طريق العلم بالوحي الذي بعث به الأنبياء ، وهو المعبّر عنه « بالأمر » ، وعن طريق العلم بالكون وأسراره ومسخراته ، وهو المعبر عنه « بالخلق » ، قال تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [ الطلاق : 17 ] ، فدلّ على أنّ علم النّاس بربّهم وصفاته وأفعاله غاية وسيلتها العلم بخلق السماوات والأرض والعلم بما يتنزّل بينهما من الوحي « 2 » . « ولهذا لم يوصد الإسلام باب العلم ، ولم يقف به عند حدّ معيّن لزمان معيّن ، ولم يحدّد للعلم نظريات تعتبر وحيا لا يجوز البعد عنه ، بل فتح آفاق التجدد والبحث ، وحثّ على طلب المزيد وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ، وأخبر بأنّه سيوجد ما لا علم لهم به وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ [ النحل : 16 ] ، وحذّر من الاغترار مما حصّل من علم فيحول ذلك بينهم وبين طلب المزيد ، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 17 ] ، وكان هذا القول تعقيبا على سؤالهم عن الروح وهي من أسرار اللّه في الخلق ، وليست من قبيل « الأوامر » الدينية » « 3 » .

--> ( 1 ) العلم والإيمان في الإسلام - مجموعة من المؤلفين - ص 89 . ( 2 ) عبد المجيد صبح - العلم والإيمان - ط 1 دار الوفاء : المنصورة ، 1984 - ص 34 ، 35 . ( 3 ) محمد الطاهر بن عاشور - تفسير التحرير والتنوير - ج 23 - ص 348 ، 349 .